ابن الجوزي
159
صفة الصفوة
معهم . فلما أكلنا أخذ ما فضل في طرف العباء ومضى ، فخرج خالي معه يشيّعه إلى حرب . فلما رجع قال لي : يا بنيّ . تدري من هذا ؟ قلت لا ، قال : هذا فتح الموصلي . محمد بن الصلت قال : كنت عند بشر بن الحارث فجاء رجل فسلم على بشر ، فقام بشر إليه فقمت لقيامه ، فمنعني . فلما سكن الرجل أخرج بشر درهما صحيحا وقال : أخرج واشتر خبزا وزبدا وتمر برنيّ « 1 » . قال : فخرجت واشتريت وحملته فوضعته بين يديه ، فأكل الرجل وحمل الباقي وقام فخرج ، فلما خرج قال لي بشر : يا بنيّ تدري لم منعتك عن القيام له ؟ قلت لا . قال : لأنه لم يكن بينك وبينه معرفة فكان قيامك لقيامي فأردت أن لا يكون قيامك إلا للّه خالصا ، وتدري لماذا دفعت إليك الدرهم وقلت اشتر كذا وكذا ؟ قلت : لا . قال : إن طيب الطعام يستخرج خالص الشكر للّه تعالى ، وتدري لم حمل الباقي ؟ قلت لا - قال : عندهم إذا صحّ التوكّل لم يضرّ الحمل ، وهذا فتح الموصلي جاءنا زائرا . عن أحمد بن أبي الحواريّ أنه قال : سمعت شيخا من أصحاب فتح الموصلي قال : كانت لفتح الموصليّ بضاعة عند أخ له يعمل بها في البر والبحر ، فبعث فتح فاستردّها وأنفقها وقال : رأيت قلبي يميل إليها فكرهت أن تكون ثقتي سواه . إبراهيم بن موسى قال : رأيت فتحا الموصلي يوم عيد وقد رأى على الناس الطيّالس والعمائم . قال : فقال لي : يا إبراهيم إنما ترى ثوبا وجسدا يأكله الدّود غدا ، هؤلاء أنفقوا خزائنهم على بطونهم وظهورهم ويقدمون على ربّهم مفاليس . عبد اللّه بن الفرج قال : قال فتح الموصلي : كبرت عليّ خطاياي وكثرت حتى لقد آيستني من عظيم عفو اللّه عزّ وجل قال : ثم قال : وإنّي آيس منك وأنت الذي جدت على السّحرة بعد أن غدوا كفرة فجرة ؟ ، وإنّي آيس منك وأنت ولي كل نعمة وأنّي آيس منك وأنت المؤمّل لكل فضل ومعروف ، وأنّي آيس منك وأنت المغيث المغيث عند الكرب ولم يزل يقول : آيس منك ، حتى سقط مغشيّا عليه .
--> ( 1 ) التمر البرني : نوع جيد من التمر .